... نقوم بعرض تأكيد علماء وأئمة الأمة على هذا الأمر وهذه الحقيقة :

قال السيوطي رحمه الله :
اعلم أن حفظ القرآن فرض كفاية على الأمة صرح به الجرجاني في الشافي والعبادي وغيرهما الجويني والمعنى فيه ألا ينقطع عدد التواتر فيه فلا يتطرق إليه التبديل والتحريف فإن قام بذلك قوم يبلغون هذا العدد سقط عن الباقين وإلا أثم الكل .[1]

وقال بن كثير :
فأما تلقين القرآن ؛ فمن فم الملقن أحسن ؛ لأن الكتابة لا تدل على الأداء ، كما أن المشاهد من كثير ممن يحفظ من الكتابة فقط ؛ يكثر تصحيفه وغلطه .[2]

قال بن الجزري :
إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على خط المصاحف والكتب وهذه
أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة . [3]

قال الزرقاني :
إن المعول عليه في القرآن الكريم إنما هو التلقي والأخذ ثقة عن ثقة وإماما عن إمام إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإن المصاحف لم تكن ولن تكون هي العمدة في هذا الباب إنما هي مرجع جامع للمسلمين على كتاب ربهم ولكن في حدود ما تدل عليه وتعينه دون ما لا تدل عليه ولا تعينه .[4]

وفي الحديث :
عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب وقال إنما بعثتك لأبتليك وأبتلى بك وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظان . [5]

قال القرطبي :
أي يسرت تلاوته وحفظه ، فخف على الألسنة ، ووعته القلوب ، فلو غسلت المصحاف لما انغسل من الصدور ، ولما ذهب من الوجود ، ويشهد لذلك قوله تعالى
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ( 9 ) الحجر . [6]

وقال بن تيمية :
والاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب لا على المصاحف، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه أنه قال : " إن ربي قال لي أن قم في قريش فانذرهم ، فقلت : أي رب ، إذ يثلغوا رأسي اي يشدخوا فقال : إني مبتليك ومبتل بك ، ومنزل عليك كتاباً لا يغسله الماء تقرؤه نائماً ويقظاناً ، فابعث جنداً ابعث مثليهم ، وقاتل بمن أطعك من عصاك ، وأنفق أنفق عليك " .
فأخبر أن كتابه لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء ، بل يقرؤه في كل حال ، كما جاء في نعت أمته " أناجيلهم في صدورهم " بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا في الكتب ، ولا يقرؤونه كله إلا نظراً لا عن ظهر قلب . [7]

فكما رأينا ، فإلاعتماد على نقل القرآن هو على المحفوظ في الصدور ، ولم تكن المصاحف وحدها هي المرجع والأساس كما بينت النصوص الصريحة وكما شرح وعلق عليها العلماء .


____________________________________

[1] الإتقان ج 2 ص 632 .

[2] فضائل القرآن ص 211 .

[3] مناهل العرفان ج 1 ص 205 .

[4] مناهل العرفان ج 1 ص 243 .

[5] رواه مسلم في الصحيح 51 : ك : الجنة وصفة أهلها 16 : ب : الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار ح 7 ص 394 ح 2865 .

والنسائي في الكبرى 75 : ك : فضائل القرآن 49 : ب : قراءة القرآن على كل الأحوال ح 8070 ، 8071 ج 5 ص 25 .

والبغوي في شرح السنة ج 14 ص 407 .

وأحمد في المسند ج 4 ص 164 ح 17519 ، وإسناده صحيح على شرط مسلم .

[6] المفهم ج 7 ص 163 .

[7] فتاوي بن تيمية ج 13 ص 215 .